السيد محمد باقر الصدر

97

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

فالسببيّة بمفهومها العقلي تعبّر عن علاقة الإيجاب والضرورة بين ظاهرتين . فأيّ ظاهرتين إحداهما تؤثّر في إيجاد الأخرى حتماً فالظاهرة المؤثّرة منهما هي السبب ، والظاهرة الموجودة نتيجة ذلك التأثير هي المسبّب . وأمّا السببيّة بمفهومها التجريبي فهي لا تعبّر عن الإيجاد والتأثير والحتميّة والضرورة ؛ لأنّ هذه العناصر لا تدخل في نطاق الخبرة الحسيّة ، والمذهب التجريبي لا يعترف بأيّ عناصر غير تجريبيّة ، ولهذا لا تعني السببيّة بمفهومها التجريبي سوى نوع معيّن من التتابع الزمني بين ظاهرتين ، ولكن ليس كلّ تتابع زمني بين ظاهرتين يكفي لنشوء علاقة السببيّة بينهما ، بل لكي توجد علاقة السببيّة بين ظاهرتين لا بدّ أن يكون التتابع مطّرداً . وعلى هذا الأساس فالتتابع الزمني المطّرد هو كلّ ما تعنيه علاقة السببيّة بمفهومها التجريبي . وفي هذا الضوء نلاحظ لدى المقارنة بين المفهوم العقلي للسببيّة والمفهوم التجريبي لها : أوّلًا : إنّ تبعيّة إحدى الظاهرتين للُاخرى التي تحدّد مركزها في العلاقة - أي كونها مسبّبة - هي تبعيّة زمنيّة في المفهوم التجريبي ، بينما هي تبعيّة في الوجود لدى المفهوم العقلي للسببيّة . وثانياً : إنّ علاقة السببيّة لا يمكن للمفهوم التجريبي أن يتصوّرها بين ظاهرتين مقترنتين زماناً ؛ لأنّ في هذه الحالة لا يمكنه أن يفترض إحداهما سبباً والأخرى مسبّباً ؛ لأنّا رأينا أنّ التبعيّة الزمنيّة هي التي تعيّن المسبّب في المفهوم التجريبي ، ومع التقارن الزمني لا توجد تبعيّة من هذا النوع ، وبالتالي لا توجد علاقة سببيّة ، ولهذا فإنّ المنطق التجريبي لا يطلق اسم السببيّة على علاقة الاقتران